مناع القطان
109
مباحث في علوم القرآن
قال أبو شامة : « 1 » « فإن قيل : ما السر في نزوله منجما ؟ وهلا أنزل كسائر الكتب جملة ؟ قلنا : هذا سؤال قد تولى اللّه جوابه ، فقال تعالى ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ) يعنون : كما أنزل على من قبله من الرسل ، فأجابهم تعالى بقوله ( كذلك ) أي أنزلناه مفرقا ( لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ) أي لنقوّي به قلبك ، فان الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب ، وأشد عناية بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه ، وتجدد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز ، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة ، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقياه جبريل » « 2 » . 2 - الحكمة الثانية : التحدّي والإعجاز . فالمشركون تمادوا في غيهم ، وبالغوا في عتوهم ، وكانوا يسألون أسئلة تعجيز وتحد يمتحنون بها رسول اللّه في نبوته ، ويسوقون له من ذلك كل عجيب من باطلهم ، كعلم الساعة ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ 187 - الأعراف ) ، واستعجال العذاب ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ 47 - الحج ) فيتنزل القرآن بما يبين وجه الحق لهم ، وبما هو أوضح معنى في مؤدى أسئلتهم ، كما قال تعالى ( وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً - 33 - الفرقان ) أي ولا يأتونك بسؤال عجيب من أسئلتهم الباطلة إلا أتيناك نحن بالجواب الحق ، وبما هو أحسن معنى من تلك الأسئلة التي هي مثل في البطلان . وحيث عجبوا من نزول القرآن منجما بين اللّه لهم الحق في ذلك ، فإن تحديهم به مفرقا مع عجزهم عن الإتيان بمثله أدخل في الإعجاز ، وأبلغ في الحجة من أن
--> ( 1 ) أبو شامة : هو عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي ، الفقيه الشافعي ، له « الوجيز إلى علوم تتعلق بالقرآن العزيز » و « شرح على الشاطبية المشهورة في القراءات ، توفي سنة 665 هجرية . ( 2 ) انظر الإتقان صفحة ( 41 ) ج 1 .